السيد الطباطبائي
7
تفسير الميزان
على أن هذه الانظار مبتنية على أصول موضوعة لا بينة ولا مبينة . وأما المتصوفة ، فإنهم لاشتغالهم بالسير في باطن الخلقة واعتنائهم بشأن الآيات الانفسية دون عالم الظاهر وآياته الآفاقية اقتصروا في بحثهم على التأويل ، ورفضوا التنزيل ، فاستلزم ذلك اجتراء الناس على التأويل ، وتلفيق جمل شعرية والاستدلال من كل شئ على كل شئ ، حتى آل الامر إلى تفسير الآيات بحساب الجمل ورد الكلمات إلى الزبر والبينات والحروف النورانية والظلمانية إلى غير ذلك . ومن الواضح أن القرآن لم ينزل هدى للمتصوفة خاصة ، ولا أن المخاطبين به هم أصحاب علم الاعداد والأوفاق والحروف ، ولا أن معارفه مبنية على أساس حساب الجمل الذي وضعه أهل التنجيم بعد نقل النجوم من اليونانية وغيرها إلى العربية . نعم قد وردت روايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام كقولهم : ان للقرآن ظهرا وبطنا ولبطنه بطنا إلى سبعة ابطن أو إلى سبعين بطنا الحديث . لكنهم ( عليهم السلام ) اعتبروا الظهر كما اعتبروا البطن ، واعتنوا بأمر التنزيل كما اعتنوا بشأن التأويل ، وسنبين في أوائل سورة آل عمران إن شاء الله : أن التأويل الذي يراد به المعنى المقصود الذي يخالف ظاهر الكلام من اللغات المستحدثة في لسان المسلمين بعد نزول القرآن وانتشار الاسلام ، وان الذي يريده القرآن من لفظ التأويل فيما ورد فيه من الآيات ليس من قبيل المعنى والمفهوم . وقد نشأ في هذه الاعصار مسلك جديد في التفسير وذلك أن قوما من منتحلي الاسلام في أثر توغلهم في العلوم الطبيعية وما يشابهها المبتنية على الحس والتجربة ، والاجتماعية المبتنية على تجربة الاحصاء ، مالوا إلى مذهب الحسيين من فلاسفة الأروبة سابقا ، أو إلى مذهب أصالة العمل ( لا قيمة للادراكات الا ترتب العمل عليها بمقدار يعينه الحاجة الحيوية بحكم الجبر ) . فذكروا : ان المعارف الدينية لا يمكن أن تخالف الطريق الذي تصدقه العلوم وهو أن : ( لا أصالة في الوجود إلا للمادة وخواصها المحسوسة ) فما كان الدين يخبر عن وجوده مما يكذب العلوم ظاهره كالعرش والكرسي واللوح والقلم يجب أن يؤل تأويلا .